الخوف قبل التجربة وأسبابه النفسية

 الخوف قبل التجربة 

كتبت/ ريغي خولة.

  

كان الجد "بسام" ذو صيت كبير بين اهل قريته حيث كان معروفا بحكمته الواسعة ونصيحته القيمة وذلك مع بلوغه العقد الثامن من عمره الغني بالتجارب الحياتية والأسرار الخالدة على ممر الذاكرة، ومن حسن حظي أنني شاركت في احدى حلقاته التي ينظمها كل اسبوع مع ابناء قريته والقرى المجاورة.


الخوف قبل التجربة وأسبابه النفسية
الخوف قبل التجربة وأسبابه النفسية


كانوا مجتمعين حوله بانصات شديد لما يقوله من نصائح ذهبية، أخذت مقعدي بينهم بعدما رحبوا بي أشد الترحيب وعلى رأسهم الجد "بسام" الذي ابتسم لي مع أول دخولي الخيمة قائلا«مرحبا بطلاب المعرفة، أنار الله دربكم» كان كل شيء فيه يدعو للغرابة وللإعجاب في وقت واحد، طريقة كلامه، طريقة جلوسه .

نظراته الحادة نحو الحاضرين، كان جوا تتناثر فيه المعرفة من كل جهة. شرع الجد"بسام" يشرح القول المأثور"التجربة خير برهان" وعلاقته بموضوع الحلقة الذي كان"الخوف قبل التجربة"، لفت الموضوع انتباهي كسائر المشاركين، فالكل هنا شديد التركيز مع كلمة تخرج من فم هذا الجد الحكيم .

أخذ يقص علينا حكاياه أيام شبابه، الأحلام التي دمرها خوفه من التجربة، اعتقاداته الخاطئة حول الحياة، معاناته مع عقدة الفشل وعدم تقبله للتغيير واختتم حلقته وهو ينصحنا بضرورة اقتلاع الخوف والشروع في خوض التجربة مهما كانت نتائجها باعتبارها السبيل الوحيد للنجاة من سجن الخوف اللعين. وهذا ماتوسعنا فيه في مقالنا اليوم .




1_"عقدة الفشل":

 ينام الكثير منا وبجعبته مجموعة أو بالأحرى مجموعات من الطموحات التي تسكن خياله منذ وقت بعيد، ينتظر موعد تحقيقها بشغف كبير وحتى أنه يرسم صورته في ذلك المكان الذي يطمح له أو ذلك المنصب الءي يصبو إلبه، لكن كل هذا ثابت في مكان واحد فقط وهو "المخيلة" .

 وهذا مايجعل رحلة تحقيقها صعبة ومعقدة، لاشي على أرض الواقع!، هي أحلام وأمنيات حبيسة داخل مخيلتنا، نخاف أن نفتح لها الباب للظهور أمام العلن .

نحبس ذلك الصوت الذي يدفعنا نحو الفعل ونكتفي بتخيلات قبل النوم وآمال زائفة نشبع بها أنفسنا الجائعة. كل هذا ينحدر تحت الخوف المبالغ فيه من الفشل؛ حيث نهاجم كل فكرة مشروع أو تجربة جديدة تخطر ببالنا ونسرع في إدخالها سجن الخيال تحت مظلة الأمنيات لاغير .

نعتقد أن الفشل أول الحاضرين في مسيرتنا نحو ما نرغب به، لا مفر منه، يا له من حارس شديد الرقابة، لا تفلت منه اي فكرة!. مه مرور الوقت وارتفاع كمية الخوف من الاقتراب من أي تجربة يتحول هذا الاخير" لعقدة الفشل " لها من العمق مايدمر رغباتنا وما يستنزف طاقاتنا.

نرى الكون مظلم يغطيه الفشل من كل جهة، لا نستطيع اخذ خطوة ولا نفكر حتى بالنتائج بل سرعان ماننسحب من المعركة، نواسي أنفسنا بعبارات" حتما سأفشل م كل هذا العناء! "و" فكرتي فاشلة ولو كانت غير ذلك لفعلها آخرون قبلي"، نسقي أنفسنا بسم قاتل ونقنعها أن الحل الوحيد ولا شيء بعده.

 ولكن دعنا نقف دقيقة صمت ونوجه سؤالنا لداخل أعماقنا «لماذا نخاف التجربة قبل حدوثها؟» فكيف لنا أن نخاف من شيء لم نجربه قط!!، دعنا نجيب بكل شفافية ولا نتهرب هاته المرة.


2_عقدة التغيير : 

نحلق بعيدا بأحلامنا ونكتب سطورا من حياة يملؤها الفرح والانجازات، نرسم في خيالنا أجمل السيناريوهات لمستقبل مشرق، لكننا ندفن كل هذا لأننا ببساطة نخاف التغيير ونعتبره خطرا، لا نتقبله ولا نرضى به، نترك هذا الخوف يقتلنا يوما بعد يوم، نكذب على ذواتنا ونجبرها على تقبل الواقع دون اي تغيير.

ننتظر حدوث معجزة خارقة تنقلنا نحو عالم الأمنيات فيه يتحقق كل ماهو معلق بقلوبنا، نتحول لأصنام ثابتة المكان، تنظر للوافدين عاجزة عن التعبير. قد يكون هذا نتاج خوف تزحزح صورتنا أمام من نحبهم، نخاف عدم رضاهم عنا ونسعى لاشباع رغباتهم فينا لا لاشباع رغباتنا نحن!. 

ولاننسى مشكل عدم الثقة بالنفس وأثرها البالغ في عدم قبول التغيير من أصله، يسكننا التفكير السلبي في كل من حولنا، ما يجعلنا لا نفكر في التغيير لأننا عادة مانربطه بالفشل، لدينا قناعة تامة بأننا فاشلون، عاجزون عن المشي نحو ما نحلم به ونصاب بذعر رهيب حين نطالب بتغيير عادة سيئة فينا!

 نقبل أن نعيش في وهم الأمنيات ولا نرحب بأي تجديد أو تغيير ينقلنا للواقع الحقيقي. ورغم هذا دعنا نتسائل بعمق ونبحث عن الاجابة بصراحة تامة «لماذا نخاف التغيير مادام طريقا نحو أحلامنا؟» قد نتخوف من الاجابة ولكنها الحقيقة التي وحب علينا مواجهتها لا الهروب منها.


3_خوض التجربة : 

وتعتبر هذه أولى الخطوات نحو التحرر من خوف ماقبل التجربة، إذ أردنا الانتقال لعالم الحقيقة والمرور بسلام نحو تحقيق كل ما نبضت به قلوبنا، خطوة جريئة تتطلب منا تقبل التغيير كسائر الأمور وعدم اعتباره معيارا للفشل، علينا أن نخوض التجربة بجوانبها السلبية والايجابية لنكتشف نقاط قوتنا التي طالما طمسناها ولنعزز ثقتنا المسروقة.

 التجارب تخبرنا الكثير عنا قبل أن تقودنا نحو ما نريد، لا يمكن لنا أن نكتفي فقط بما ترسمه لنا مخيلتنا، ننتظر يوما مزيفا تتحقق فيه كل أمنياتنا فهذا مستحيل!، فالأحلام الكبيرة تحتاح شجعانا يقتمحون التجارب من أجلها لا جبناء جعل منهم الخوف فريسة للحياة.


الخاتمة: 

  الخوف ماقبل التجربة مشكل حساس يعاني منه الكثير، غافلين عن نتائجه الوخيمة لما يخلفه لدينا من عقد،أولها عقدة الفشل فيها نكتب الوفاة لجميع أحلامنا، نصبح أعداءا لرغباتنا ونبصر الجانب المظلم قبل المشرق في كل تجربة تواجهنا،نرفض كل تجديد وتغيير إلى أن نغرس في أنفسنا-بشكل لا واعي-عقدة التغيير .

هناك نعيش كابوسا لا نريد الإفاقة منه،نتقبل كل شيء حتى وإن كان في غير صالحنا خوفا من آراء الآخرين فينا،غير مباليين برغباتنا.

لذا وجب علينا خوض التجربة بشجاعة باقتلاع كل جذور الخوف المترمكزة في أعماقنا،من أجل التحرر والإندماج في الحياة الواقعية أكثر "فالوهم لا يتحول يوما لحقيقة"!!

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق