الوجع نعمة أم هو درس قاسى

 الوجع نعمة أم هو درس قاسى

 كتبت / ريغي خولة

     في إحدى أيام الشتاء الباردة حيث كانت الغيوم غاضبة تنزل دموعها بغزارة، تأملت مليا السماء التي قد اكتست السواد الشديد معبرة عن حزنها البالغ.... بدا الجو كئيبا وكأني أستنشق التشاؤم بدل الهواء. واذ بقطرات من المطر تهطل رويدا رويدا وكأنها تلامس روحي، أحسست لوهلة بجمال الكون وروعة ابداع الخالق سبحانه وتعالى متسائلة كيف لتلك الغيوم الموحشة أن تسقي الأرض فينبت الزرع وترتوي الأنفس في دقائق فقط!! 

الوجع نعمة أم هو درس قاسى
الوجع نعمة أم هو درس قاسى


وكأن الكون يبعث برسائل روحية للإنسان أنه"بعد كل ظلام هناك نور منتظر" حيث يتجلي ذلك في قوله عز وجل في الآية الكريمة«إن بعد العسر يسر» بعد كل هذا أكملت إحتساء قهوتي والرحمة تسكن قلبي والطمأنينة تغزو جوارحي. أدركت أن تلك الغيوم السوداء هي نفسها التجارب السيئة بجميع أوجاعها وآلامها التي تصادفنا في هاته الحياة، نبصر من خلالها الكون مظلما لا خير فيه ولا نتقبل الألم الذي نمر به لأنه يخنقنا حيث نكاد لا نتنفس من شدة الشؤم المسيطر علينا، نظن انها النهاية واذ بالاستقرار يحل بقلوبنا بعد كل ذلك العسر، تتساقط أمطار اليسر بشكل مهيب ليزهر زرعنا ولنقبل على الحياة من جديد وبجعبتنا أعظم الحكم وأعمق الدروس! من خلالها نبحر في رحلة اكتشاف ذواتنا، نقاط قوتنا التي ظهرت في فترة ظننا فيها أننا لاشي أو ظننا فيها أننا منهزمون أمام أوجاعنا. نرتقي بنضج أكبر وبوعي أوسع وكأننا نسابق الوقت لنخبره "أننا ثابتون رغم كل شيى".

التضحية حرب تعلنها على نفسك

1_"عدم تقبل الوجع":

 لا نتقبل الألم في بداياته ونشعر بحمل ثقيل فوق أكتافنا، نتسائل لماذا نحن بالظبط؟ مالذي قد أخطأنا فيه حتى نستقبل هذا الوجع؟ نغرق في دوامة الأسئلة ولا نجد أجوبة ترتاح بها قلوبنا. قد يستمر هذا لأسابيع وحتى لأشهر، حال مضطرب، اكتئاب دائم وفقدان للشغف؛ حيث يتمركز جل تفكيرنا في ذلك الوجع الذي نعيشه أو عشناه من قبل وقد نصل حتى إلى "جلد الذات" واحتقارها، إلقاء اللوم عليها بجملة من الإدعائات الغير صحية مثل: 

_أكره طيبة قلبي.. لقد كرهت نفسي بسبب هاته الصفة. 

_ياليتني لم أفضفض لأحد كلهم خائنون للسر.

_كيف لم أنتبه لذلك منذ البداية لقد كنت أحمقا وساذجا..

_تبا لكل العلاقات البشرية كيف ما كانت أكره الحياة وأكره كل شيئ فيها... 

_إنه عالم ملئ بالشر اللاذع.. 

  هي جملة من الإدعائات المغلوطة التي ندمر بها أنفسنا بدون وعي مننا دعنا نتذكر أن" الانسان غير معصوم من الخطأ مهما بلغت قوته ومكانته".



2_"رحلة اكتشاف الذات"

وهنا تبدأ رحلتنا في اكتشاف ذواتنا الحقيقية إنطلاقا من الألم الذي نعيشه أو بسبب الصدمات التي قد غرست داخلنا منذ الطفولة، ننتقل هنا لعالم الحقيقة مدركين أن الحياة ليست وردية كما نعتقد، نتعرف على الوجه الآخر للتجارب الحياتية بألوانها وأشكالها، يسكن الألم جوارحنا كل حسب تجربته سواء كانت عاطفية، عائلية..... لوهلة تصبح الحياة سوداء بأعيننا، هناك من يتجه للإدمان هروبا من ألمه وهناك من يتخذ من النوم مهربا ايضاً. يخيم الأثر السلبي علينا بلل وعي مننا ونبقى على حالنا لا نستطيع الخروج من تلك الغرفة المظلمة وفي لحضة سكون نسمع زغردة ذلك الطائر الحسون هناك قرب النافذة، نقترب بخوف واذ بنا مندهشين من جمال المكان في الخارج، بساتين من الورد وعصافير تتغنى باصواتها العذبة وكأنها لوحة فنية من ابداع رباني. هناك حيث نكتشف الجانب الإيجابي من الوجع ومن تجاربنا السيئة كيف ماكان نوعها وكيف ماكانت نتائجها حيث نتعرف جيدا على الثمار الايجابية التي لم نراها من قبل:

3_"ارتفاع مستوى النضج": 

بعد مرورنا بأسوء التجارب وأصعبها، نتصالح مع كل شعور قد أحسسنا به من قبل، مع كل فترة شعرنا فيها بالضعف وقلة الحيلة. لوهلة نصطدم بنوبة نضج وكأنها مكافأة ربانية لصبرنا العظيم، ندرك فيه أن الحياة بدون تجارب خيال لا أساس له. هي التجارب وحدها من تفتح لنا الطريق نحو الواقع الحقيقي حيث أن" الانسان نتاج ماعاشه وماسيعيشه "، هي هكذا الحياة تهدينا أوجاعا وتسرق منا أجمل اللحظات لتغرس فينا النضج بعد كل تجربة والحكمة بعد كل ذكرى مؤلمة احترقت فيها قلوبنا. نخرج من معركة الحياة وبحيازتنا ذخيرة من كل نوع من بين أسلحتها هاته النقاط:

_أنه بعد كل وجع نعيشه جكمة نضيفها لذخيرة الحياة..

_دروس الحياة مجانية ندفع ثمنها وجعا لنشتري نضجا نكمل به طريقنا...

_الآلام وسيلة للتقرب أكثر من دواخلنا المهجورة..

_الحياة ليست وردية ولكنها ليست بالشؤم الذي نراه أيضا..

_تخبتئ النعم أحيانا في تفاصيل موحشة.

_نقاط ضعفنا نحللها، نعالجها لنصبح أكثر قوة.. 

_مبادئنا الحقيقة التي قد تم طمسها في تلك التجارب السلبية.. 

_احتياجتنا العاطفية الحقيقة من تلك العلاقة السامة(الجانب العاطفي).. 

_الخروج بدروس حياتية كذخيرة تجعل منا أكثر وعيا وصلابة في مواجهة المواقف القادمة...


الخاتمة

   هي الحياة بتجاربها تجبرنا على عيش الوجع بأنواعه والألم بأشكاله، نخوض مراحلا لا نعلم تفاصيلها ولا حتى نتائجها، تسافر بنا إلى مدن الظلام حيث نتطلع على أبشع التجارب الحياتية وأصعبها، نضطر لتجربة السكن هناك بين تلك الأحياء المخيفة، جدرانها أوجاع منقوشة ومتاجرها ألام تباع. لا نقبل العيش هناك ولا نتقبل مانمر به وفي أثناء بحثنا عن أمل الخروج من هناك نكتشف أن لتلك المدينة القاسية حدائق من زهور ملونة تهدى لكل مسافر عبر تجارب الحياة ومتاجر من الحكمة تهدي الحكمة مجانا لكل سكانها، هناك حيث نكتشف قوة ذواتنا وقدراتها العظيمة ونقطف ثمار تجاربنا حاملين أمتعتنا للترحال بقوة أكبر وبثبات لا يقاوم.



تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق